تحليلاتالرئيسية

التفاوض مع القاعدة لم يعد من التابوهات في الساحل

1957 - 16:20:00 Feb 24, 2020
التفاوض مع القاعدة لم يعد من التابوهات في الساحل
التفاوض مع القاعدة لم يعد من التابوهات في الساحل

التفاوض مع الجهاديين في الساحل، الذي لم يتم تأكيده منذ وقت طويل في موريتانيا، أصبح علنا في مالي، من طرف الرئيس نفسه، إبراهيم بوبكر كيتا، على الرغم من أن الخبراء يشككون في جدواه ونتائجه.

 

‎وقال الرئيس، بوبكر كيتا، في مقابلة له مع وسائل إعلام فرنسية، في الـ10 من فبراير، إن "الحديث مع الجهاديين ومحاربة الإرهاب ليسا متناقضين، اليوم لدي واجب في خلق كل المساحات الممكنة حتى نتمكن من تحقيق بعض التهدئة". 

‎وأثار بوبكر هذا الاحتمال في خضم تدهور الوضع الأمني في البلاد، حيث لا يمر أسبوع دون حدوث هجوم على قوات الأمن أو قوات القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة.

‎وفي مقابلته، أثنى الرئيس المالي على رئيس الجماعة الإرهابية "نصرة الإسلام والمسلمين"، إياد أغ غالي، الذي يتحرك في مدار القاعدة، وأكد أن التفاوض معه هو أحد الطرق لوقف المنحى التصاعدي لضحايا الإرهاب.

‎وعلى الرغم من شكوكهم حول جدوى الحوار، أكد الخبراء الذين استشارتهم "إيفي"، أنه إذا وضع أغ غالي و"رجله الثاني" أمادو كوفا، السلاح، يمكن للحكومة أن تضمن "حياد" محيطهم الإثني، الطوارق و الفولان، على التوالي، وتقديم ما تبقى من جماعة "نصرة الإسلام" كـ"مجموعة أجنبية"، و هو ما قد يسهّل تفكيكها.

‎ومع ذلك، لم يذكر الرئيس المالي، التنظيم الجهادي الكبير الآخر في المنطقة، الفرع الإقليمي للدولة الإسلامية (داعش)، والأكثر تطرفًا من تنظيم القاعدة، وكانت تلميحات الرئيس مقصورة على "نصرة الإسلام والمسلمين"، التي من المفترض أنها تتمتع بدعم أكثر شعبية.

جهاديون بدعم إثني

‎ تم إنشاء جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مارس 2017 من خلال دمج مجموعات "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"المرابطون" و"أنصار الدين" و"جبهة تحرير ماسينا".

‎وتضم "جبهة تحرير ماسينا" ، التي تم تأسيسها في عام 2014 بقيادة أمادو كوفا، مقاتلين من عرقية الفولان، ومقرها في منطقة موبتي (وسط)، حيث تسود تلك الإثنية، في حين تم إنشاء "أنصار الدين" في عام 2011 في أزواد (شمال)، بخلفية هوياتية قوية للدفاع عن الطوارق.

‎تنظيما "ماسينا" و"أنصار الدين"، التي تطمح السلطات في التفاوض معهما، هما تنظيمان ماليان، ويتمتعان بدعم واسع في منطقتيهما، في حين أن المجموعتين الأُخريين اللتين تشكلان "نصرة الإسلام والمسلمين"، تتكونان من إرهابيين مغاربيين ولهم دعم إجتماعي أقل. 

الجهاديون يريدون التفاوض أيضًا

‎قال خبير مجموعة الأزمات الدولية، يحيى إبراهيم، في مقابلة أجريت معه العام الماضي، إن كوفا، قد يكون طلب وساطة بينه وبين الحكومة من ثلاثة رجال دين مسلمين من المجلس الإسلامي الأعلى في مالي.

‎المجلس الإسلامي الأعلى، عبارة عن منصة دينية مستقلة تم إنشاؤها في عام 2002 لتوحيد وتمثيل الاتجاهات المختلفة للدين الإسلامي، والتي يشارك فيها 90 بالمئة من الماليين.

‎وفقًا لهذه الأطروحة، قام كوفا بتبرير طلبه بحجة أن هؤلاء العلماء الثلاثة هم أفضل من يفهم مطالبه، لكن طلبه لم يتلقَ أي رد من السلطات.

A3B73979-4910-40AA-9192-CD125C053EC0

‎ولم يؤكد كوفا أبدًا تلك الإرادة التفاوضية، لكنه ظهر في فبراير الماضي، يحرض الماليين على محاربة "الاحتلال" الفرنسي الذي يهدف إلى "تدمير الدين والهوية (الإسلامية) ونهب موارد" البلاد.

‎كما أشاد بالاحتجاجات الضخمة في باماكو في الأشهر الأخيرة، والتي دعت إلى طرد القوات الأجنبية من البلاد، وسط مشاعر متزايدة مناهضة للفرنسيين؛ في جميع أنحاء منطقة الساحل.

شكوك الخبراء 

‎وأوضح الخبير الفرنسي توماس دومينيك لـ"إيفي"، أن اليد الممدودة لرئيس مالي توضح "الإخفاقات المتتالية" لسلطات البلد، في كبح الصعود الجهادي.

‎دومينيك، -من المدرسة الفرنسية للدراسات العليا في العلوم الاجتماعية-، يرى أن الجهاديين يمكنهم ايقاف هجماتهم إذا حصلوا على شيئين يبدوان في الوقت الحالي بعيدا المنال، وهما؛ "انسحاب القوات الأجنبية المنتشرة في البلاد و وقف عمليات مكافحة الإرهاب".

‎بالإضافة إلى هذه المطالب، يقدر المحلل الموريتاني الهيبة ولد الشيخ سيداتي، أن زعيم الطوارق آغ غالي سيضيف المزيد من المطالب، "كالحكم الذاتي للمنطقة الشمالية من أزواد، وتطبيق الشريعة الإسلامية والإفراج عن رفاقه المسجونين".

‎وحسب رأي سيداتي، -مدير وكالة الأنباء الموريتانية الخاصة (الأخبار)-، فإن الحوار صعب، لأن أغ غالي، في هذا الوقت، "محاطٌ بقادة جهاديين متطرفين من البلدان المغاربية وليس لديهم التزامات تجاه محيطهم المالي".

‎كما أعرب خبير إسباني في الحرب ضد الإرهاب عن شكوكه، قائلاً إن بوبكر، "صاغ اقتراحه بالتفكير في آغ غالي وليس في منظمته"، وأعرب عن خوفه من أن "تخدم الهدنة الأطراف كهدف تكتيكي فقط، وليس كحل نهائي". 


أمل رجال الدين

‎ أوضح نائب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي، المنظمة التي يُنظر إليها على أنها وسيط محتمل، إبراهيم كوناتو، لـ"إيفي"، أن مبادرة الرئيس تُظهر أن "الدولة مستعدة لتقديم تنازلات"، لكنه شدد على أن "الجهاديين لم يستجيبوا بعد للاقتراح".

‎وقال، إنه إذا قبل اغ غالي الحوار، فسيكون طلبه الأولي هو تطبيق "الشريعة" في مالي، لكن المفاوضات تنتج حلولاً وسطية، لأن الشعب والمجتمع الدولي لن يقبلان تطبيقها الصارم.
‎وأضاف، "من الممكن الاستجابة لأشياء معينة، مثل تقييد بيع الخمور و تعزيز القيم الإسلامية، لكن من المستحيل قبول تطبيق الحدود".

‎تحييد الحاضنة الإجتماعية للإرهاب

‎ يؤكد الخبير الموريتاني سيداتي، على أن الحاجة إلى الحوار تكمن في أهمية تحييد الدعم الإثني والاجتماعي الذي تتمتع به "نصرة الإسلام والمسلمين"، وخاصة فصيل اغ غالي، الذي يعتبر احد أقوى زعماء طوارق مالي.

‎ويضيف أن هدف بوبكر هو الضغط على فرنسا لتحويل "هيمنتها" في مالي إلى شراكة أكثر توازناً، وبالتالي احتواء الأصوات المتنامية في البلاد التي تطالب بالسيادة المالية الكاملة.

‎وفيما يتعلق بكوفا، أوضح الخبير أن هذا القائد الجهادي "بات يفقد قوته بين مجتمع الفولان" في وسط مالي بسبب "تحالفه مع الطوارق"، خصمهم التاريخي، وبسبب "صعود قوة داعش في هذه المنطقة".

مفاوضات أخرى في الساحل

‎يُعتقد أن مالي ليست الدولة الوحيدة في الساحل التي تسعى إلى الهدنة مع تنظيم القاعدة، بل هناك شكوك منذ عدة سنوات أن موريتانيا فعلت ذلك أيضًا، ولكن سراً، وأنها عقدت من هدنة ضمنية مع الجهاديين، تتضمن عدم قيام القوات الموريتانية باضطهادهم.

‎وفي نفس العام، كشفت صحيفة "نيوزويك"، أن جماعة القاعدة درست اتفاقًا محتملًا مع موريتانيا، وفقًا لعدد من الوثائق المصادرة بعد مقتل أسامة بن لادن على يد القوات الأمريكية، في باكستان عام 2011.

‎وهذا ما قد يفسر عدم وجود هجمات على الأراضي الموريتانية في السنوات العشر الأخيرة، وهي فترة اشتدت فيها حدة العنف، تقريبًا في جميع المناطق المحيطة بها في الساحل.

 

‎"إيفي": محمد سعلي
‎ترجمة: سعيد المرابط  



الرئيسية




Taqadoumy.net