تقارير

حين يسرق الكورونا خبز فاطمة

217 - 17:43:00 Mar 24, 2020
حين يسرق الكورونا خبز فاطمة
حين يسرق الكورونا خبز فاطمة

"أعيل أطفالا صغارا فقدوا أباهم بعد وفاته منذ 3 سنوات ولا معيل لهم سواي“ هكذا تفتتح فاطمة حديثها بغصة ملؤها الألم والتضحية والصبر.


في هناء مع بناتها الثلاث وأبنائها الثلاثة، عاشت ردحا من الزمن، قبل ثلاث سنوات على وجه الخصوص اختطف الموت زوجها تاركا لها صغارا ليس لهم ولها سوى حنوِّ الأم وتضحيتها من أجل صغارها اليافعين.
منذ ذلك اليوم تأبطت جفان الكسكس والعيش في رحلة سرمدية من أجل البقاء.
انقضت السنوات الثلاث والأم تغدو جاهدة من أجل كسب ما تروح به لسد رمق أبنائها الستة، كانت تبيع - في المتوسط يوميا - عشرة آلاف أوقية إلى الخمسة عشر؛ ما يضمن لها هامش ربح ضئيل بمقاييس ما تطمح إليه، ولكنه عظيم جدا بمقياس الحاجة التي يسد.
هكذا اعتادت الأم والأيام، ولم تكن المسكينة تدري الشيء الكثير عن الغازي الجديد سوى القليل جدا مما تسمعه من رواد البقالة التي تتكئ على الرصيف المجاور لها، ”لا يهمها بالضبط إن كان "الكورونا" أو "الكورولا"، ما يهمها فقط أن يبقى بأرض الكفار وأن لا يصل وطننا إلا "اللبن والرغوة“. حسب قولها.
مساء الجمعة 13 مارس كان المخبري يسابق الزمن من أجل أن يزف إلى الشعب البشرى بخلو الاسترالي ... من فيروس "كورونا"، غير أن الشعب كان على موعد مع "النذير" وهو يتلو (تأكيد أول إصابة بفيروس كورونا في بلادنا)
لم تعبأ المسكينة بكل التطورات ولم يهمها ذلك حتى، ما يهمها فقط أن يبقى الطريق سالكا بين "الفلوجة" و"بوحديدة" وأن يعتاد زبناؤها القدوم إليها كل عشيّ لتبتاع لهم "الكسكس والعيش" وتعود لأحضان صغارها وفي يدها ما تتحف به هذا النبض أو تلك القطعة من القلب.
مساء الخميس، كالعادة؛ صلَّت فاطمة العصر في منزلها، وبعد برهة اكترت سيارة أجرة لتحمل لها زاد الرحلة هذه، وصلت المتبتِّلة صومعتَها، وعدّلت من جلستها وهي تستعد لاستقبال أول مبتاع، ولم تكن تلك سوى (خ م) الجارة القديمة لصومعتها، وقد آلت بهم "الطواري" إلى الحديث عن الحظر التي ستفرضه السلطات عند الساعة الثامنة ليلا، فاستعجلها ذلك عن سمرها المعتاد مع البقّال ورواد محله، ورغم ذلك فقد مر يومها ذاك والذي يليه دون خسائر تُذكر.
مساء السبت أعدت العدة، وما إن حطت الرحال حتى انتهى إلى مسمعها أن منادي السلطات قد أذّن أن "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بيته" ونسي أن يقول: "أو في كوخه“.
عادت ليلتها تلك بثلاثة آلاف أوقية، ولم تدر أتطعم بها أبناءها أم تدخرها لشراء دقيق يمكِّنها من صنع ما تعرضه للباعة غدا كي لا تتوقف دورة الاقتصاد لديها ويتعطل "رأس مالها"، تواصل فاطمة في سرد يومها ذاك: ...فلم أجد سيارة أجرة؛ ما اضطرني إلى أن أحمل الجِفان على رأسي وأمشي سيرا على الأقدام من حي "الفلوجة" إلى "بوحديدة / البطوار الاول"
الخامسة والنصف - قُبيل سريان وقت حظر التجول - من مساء اليوم الاثنين تُدير بيدها قِطعا معدنية كانت تحت ركبتها، مومئة إليّ: "اليوم ما فت بعت ماه ذي 500 الل فيدي" وهي تجيب عن سؤالي حول بيعها في اليوم الخامس من سريان حظر التجول، مردفة: "بنت أختي هي التي أكملت لي صباح اليوم ما أشتري به الغداء لأولادي".

محمدي دحان



الرئيسية




Taqadoumy.net