مقالات

اللغة الفرنسية كنهرٍ جارٍ.. الوجه الأخر للأدب الموريتاني! / الشيخ ولد مزيد.

1043 - 13:04:00 Feb 7, 2020
اللغة الفرنسية كنهرٍ جارٍ.. الوجه الأخر للأدب الموريتاني! / الشيخ ولد مزيد.
اللغة الفرنسية كنهرٍ جارٍ.. الوجه الأخر للأدب الموريتاني! / الشيخ ولد مزيد.

عتبة
في نهاية التسعينات وعندما وجدَ الناقد المُترجم محمد ولد بوعليبة علاقة مريبة بين فنِ الملحمة في الأوساط الزّنجية الإفريقية و “التهيدين” الملحمي في المجتمع العربي-البربري بموريتانيا وأراد دراسةً هذه العلاقة أوضح في “مدخله إلى دراسة الشّعر اللهجي الحساني” (محاضرات في الأدب و النقد، منشورات جامعة إنواكشوط 1999م) أنه “لم يسبِق أن تعرَض الباحِثونَ لهذا الموضوعِ لأسبابٍ لا يسعُنا المَقامُ هنا لذكرها ومِنها هيمنةُ البحث حولَ الأدب الرّسمي الفَصيح لتأكيدِ الهويّة القَوميّة العربية بعد فترةِ استعمارٍ دامت خمساً وخمسينَ سنة. وبعد الإستقلالِ موجة الحمَاس القومي الذي شغلَ الناس عن الخوضِ في هذا النّوعِ من المواضيع!” وقد أدت هذه الحالة إلى إغفال جوانب هامةٌ من التراث الموريتاني نحاولُ اليوم إبرازِها رغم الصعوبات الجمّة وندرة المصادر المتعلقة بالموضوع لذات الأسباب المذكورة أعلاه، وإن رمنا إعطاء لمحةٍ عن هذا الأدب العريق والمبكر في موريتانيا فإننا أيضاً نحاولُ من خلال ذلك إبراز الوجه الإفريقي لموريتانيا التي لم تحسم هويّتها بعد وقد حاول الأستاذ محمد سعيد ولد أحمدو أن يعالج هذه الإشكالية في كتابه “موريتانيا بين الإنتماء العربي والتوجه الإفريقي” (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003م) ولعلَ الأفضل أن تظلّ هويتها مفتوحة!

الغنيمة
عندما أنشأ الإستعمار الفرنسي في موريتانيا مدارسهُ التي تسعى لتعليمِ هذه اللّغة الوافدة، قوبل برفضٍ واسـعٍ تركَ أثرهُ في السّجلات الأدبية للفترة. وكان هذا النّقاش الذي اتسم بطابعٍ فقهي بين نخبةٍ من العلماء على شكلٍ مساجلاتِ شعرية ونثرية. فقد وجّه الفقيه محمد بن محمد المصطفى سؤلاً موجها لعلماء البلاد : “ملح البلاد ما جواب سائل // عن حكم أمر البلاد نازل إسلامنا أولادنا الصغارا // طوعا إلى مدارس النصارى” ويبدو أنّ “النصارى” أثارت خلطاً لدى البعض مِن مَن أخذوا الأمر على نحوٍ عقدي خاطئ، ويمكنُ أن نُعززّ وجهة نظرنا بما ذكر مدير مدرسة أطار (1940م) حسبَ مُحمد الراظي ولد صدّفن (المدرسة الإستعمارية الفرنسية في موريتانيا و مجتمع البيظان، مائة سنة من التّاريخ.2002. ص118) فـ “في سنة (1940م) أشار مدير مدرسة أطار إلى الدور الهام الذي يلعبهُ العامل الديني في رفض المدرسة الإستعمارية، حيثُ كان الكثيرُ من البيظان جذ حذرين من اللغة الفرنسية، لاعتقادهم بأنّها ترتبط بعمقٍ مع الدّيانة المسيحية.” إنّ تساؤل ولد محمد المصطفى وجدَ ردوداً كثيرة، نذكرُ منها ردّ الرّاجل ولد داداه : ”الصّمت دون ما يخاف جنه // وقال في إضاءة الدجنة  (الحق لا يخفى على ذو عين // والله أرجوا عصمةً من مين) “ وقد رد أخر على هذا التساؤل حيثُ قال :  ”جاز تعلم خطوط الكفرة // لرجل عند الملاح المهرة  ومنعوا إسلام نجلـه الأب // لكافر يبعثه للمكتب بإثمه بعد إذا تنصرا // على الذي أعطاه في ما اشتهرا والخلف في تعلم الكفار // خطوطنا ذا الخلف فيه جار ذكر ذا العلامة الشوشاوي // بحر المعارف الخضم الرواي.” ورغم هذا الرّفضِ الواسع التي أبانت لنا عنهُ هذه السّجالات الهامشية، استطاعت اللغة الفرنسية أن تحجز مكانَها كلغةٍ مُتكلمة في دولةٍ هيّ همزة الوصلِ بين افريقيا السّمراء و افريقيا البيضاء، وقد رافق هذا الإنتصار اللطّيف حركةَ ترجمةٍ عجيبة إلى اللغة الفرنسية وكأنها حملت موريتانيا بأسرها إلى فرنسـا فالأوطانُ هيّ إرثها المعرفي، فيذكرُ لنا الدّكتور محمد ولد عبد الحي الذي “بحث في حقلَ التّرجمة بموريتانيا” (حوليات كلية الأداب، العدد6، بتاريخ 1999. ص158) أن “أولُ ترجمةٍ لنصٍ موريتاني هيّ إلى الفرنسية، وهيّ ترجمة ابولي poulet لنصّ النّابعة الغلاوي (ت : 1828) يصفُ فيه حياة محمد اليدالي (ت :1753) وقد نشرت سنة 1902 وتلتها ترجمة لمقاطع من قصيدة محمد اليدالي المذكور (صلاة ربي) ضمن دراسةٍ قام بها المُستشرق الفرنسي لويس ماسيون L.Massigon (ت : 1962) سنة 1909. ثمَ نشر اسماعيل همت 1910 ترجمة لنصين للشّيخ سيدي محمد الكنتي (ت :1826) هما مقتطفاتٍ من (الطرائف والتلائد) و (الغلاوية) . ونشر اسماعيل همت نفسهُ سنة 1911 ضمن مجلدٍ واحد نصين لليدالي المذكور (أمر الولي ناصر الدين) و (شيم الزوايا) ونصاً ثالثاُ معهما لوالد ابن خالنا (ت : 1789) : (الأنساب) . وفي سنة 1912 نشر Michaux Bellaire فتوى الشّيخ سيديا باب (ت :1924) بعدم جواز مقاتلة النصارى الذين يحتلون البلاد ولا يتعرضون لمعتقدات الناس. كما نشر مترجم مجهول ترجمةً لرسالة الشّيخ سعد بوه بن محمد فاضل (ت : 1917) وهيّ (النّصيحة العامة والخاصة في التحذير من محاربة افرانصة). وفي سنة 1916 نشر Paul Marty ترجمة لكتابِ امحمد بن أحمد يورة ( ت:1922) المعنون (إخبار الأحبار بأخبار الأبار). ونشر الكاتب نفسه سنة 1921 ترجمةً لمنظومتين إحداهما قصيدة لليدالي في مدح أمير البراكنة، والثّانية منظومة الوفيات لأبابكر بن حجاب (ت :1904). ثم أيضاً سنة 1927 ترجمةً لـ (حوليات ولاتة و النعمة). وفي سنة 1930 نشر J.beyries ترجمة لبعض الأمثال و الأقوال المأثورة الموريتانية.  وفي سنة 1939 نشر vicent monteil ترجمة لـ (حوليات تيشيت) كما نشر الكاتبُ نفسه سنة 1951 دراسة عن الرموز الخطية السرية عند البيظان : (الأبجديات السرية في الحوض) وتضم بعض الترجمات، وبين نشر هذين العملين نشر المعهد الفرنسي بافريقيا السوداء ترجمةً لعمدة أوفى بن أبي بكر ( ت :1882) في الطب لمحمد ابن ابي عبدم ( ت :1977) ولعلها أقدمُ ترجمةٍ لنصٍ من لغة لأخرى قام بها موريتاني، حسب المصادر المتوفرة حتى الأن. ” وقد كان من شأنِ هذه التّرجمات أن تُعزز مكانةً هذه اللّغة التي غنمها الشّعب الموريتاني من الإستعمار.

الميلاد
ولعلّ أول من كتبَ الفرنسية في موريتانيا هو المترجم محمّدو أحمدو با و المؤرخ و الشّاعر المختار بن حامد، وقد ولد الأولُ نهاية العام (1893م) . درسَ في المدرسة الكولونيالية بكيهيدي جنوب موريتانيا فالسنيغال ثمّ بعد ذلك الجزائر، فبوتلميت بموريتانيا ما بين (1914م) و (1918م) وكان ينشرُ بحوثـهُ في مجلة “الاستعلامات الإستعمارية في افريقيا الفرنسية” قبل أن ينطفئ نهاية الخمسينات (1958م) وقد تركَ إرثاً معرفياً كبيراً، فيما كان الثّاني صاحب المشروع الضخم “حياة موريتانيا” الذي حققّ المؤرخ الموريتاني سيد أحمد ولد أمير جزاءً كبير منـه، وقد مرّ على المدرسة الكولونيالية أيضاً لكن بدرجةٍ أقل من الأول، وقد ولد (1897م) وتوُفيّ (1993م) وهوّ والد عالم الريّاضياتِ الكبير يحيّ ولد حامد (1947-2011م). وإن كانت هذه الكتابات في حقولُ ليست بعيدةٌ عن الأدب مثل التّاريخ و الأنثروبولجيا واللسّانيات، غير أنّها كانت منحدرَ هذا النهرِ الذي لن يملك تغييراً لمجراهُ الباذخ!

الطّفولة
تعود بدايات الأدب الموريتاني المكتوبِ باللغة الفرنسية إلى أعمال الشّاعر الأديب المترجم و المتخصص في الثقافة الإفريقية عُمر با (1917-1998م) حيثُ صدرَ عملهُ الأدبي الأول (1962م) وقد حمل عنوان “ثمانية عشرة قصيدة فلانية حديثة” قدمّها بيير فرانسيس لا كروا، وصدرت في “دفاتر الدراسات الإفريقية” لتتوالى إبداعاتهُ في مجالاتٍ مُختلفة، قبل أن يلحق به جيلُ من المبدعين الموريتانيين مُشكّلينَ الجيل الأول من الكتاب الفرانكفونيين الموريتانيين من أمثال الشّاعر جبريل زكريا صال مفوض الشّرطة الذي أقيل بسبب قصيدة بعد نشرها في مجلة الشّعبِ الرّسمية (1976م) فقد كان شعِره ثورياً يغمرُ الواقع الثقافي والعرقي في موريتانيا بأضوائه، وقد كان من مؤسسي أول اتحاد أدبي في موريتانيا معية أدباء عرب سرعان ما ضاقوا به، صدرَت له “أضواء سوداء” (1970م) و سويتو (1976م) وكذلك “المقبرة المستقيمة” (1977م) و “العيون العارية” (1978م) و أخيراً “أريد أن أبوح” (2016م) ولا يزالُ حياً حتى أخر عهدي به، يسقي الحدائق في قريتـهِ الوديعة بالجنوب الموريتاني و بالإضافة له كان مهندس الاتصالات المنسي و المجهول، الشّاعر حسن يوسف جالو الذي أشرفَ على إقامة أول شبكةِ اتصالات في البلد، وقد اعترفَ في مقابلةٍ سابقة معه أن قراءة كتاب “دفتر العودة إلى أرض الميلاد” لأيمي سيزير زلزل قناعاته وهو ثاني شاعر فرانكفوني يصدر له ديوان في موريتانيا بعد عمر با، وقد شاركَ إلى جانبِ جبريل زكريا صال و تين يوسف گي في مهرجان الفنون الزنجية (1977م) في لاغوس. ومن بعدهما يأتي تين يوسف كي الديبلوماسي و الأديب الذي توفيّ في السّجن (1988م) وقد ذكرَ العقيد الجريءِ و الملهم عُمر ولد بيبكر شفاه الله و الذي أشرفَ على سجنـه وقتها إنّه تساءل قبل وفاتـه “هل ستتركون رجل ثقافةٍ يموتُ كالكالب؟” وكان وصل السّجن إثر اتهامه بحمل بيانٍ لحركة سياسية زنجية متمردة على السّلطة وذات مطالب شعبية، وقد صدرت له مجموعة قصصية (1975م) حملت عنوان “حافة السّاحل” ليتبعها في نفس السّنة بمجموعة أخرى “منافي كوميل” بالإضافة إلى قصائد شعرية كانت تصدر في بعض الجرائد، كما صدر له (1980م) كتابٌ نفيس حول “مظاهر من الأدب البولاري في افريقيا الغربية.. بعض الأوجه من الجنوب الموريتاني”.

الشّباب
سيصلُ هذا الأدب إلى مرحلة الشّباب و النضّج وستبدأ الرّواية مسارها الحافل مع كتابٍ كبار أمثال موسى ولد أبنو الذي صدر له الحب المستحيل (1990م) من ثم “البرزخ” (1994م) وكذلك القاسم ولد أحمدو الذي صدرت له رواية “البدوي الأخير” (1994م) . وهيّ الفترة التي سيأتي فيها الشيخ أبوه ولد أزناكي و سيري كمارا فمحمدو سي و بوي ألسان هارونا لتغمر اللغة الفرنسية كثبانَ البلاد ريحاً دافئة مع بداية العام (2000م) هنا ستشدُ “الطارقية” الرّحال وتصل مع الراحلِ موسى دياكانا (2001م) وستلمع أسماء كثيرة في غابة من السردِ و الشّعر مُشكلة الضفة التي ينتهي لها هذا النّهرُ المتدفق مثل الشّاعر عثمان موسى ديكانا وعمر جين الذي كانت الشّمسُ تختبئ في قارتـهِ و دوا ديانيفابيا الذي أصّر على أن نشربَ معه قهوته الخضراء، وكذلك أحمد ولد السّالك والطالب أخيار، وألمين ولد أحمد بابا فمحمد الأمين ولد كتابِ وكاتب موريتانيا الأجل الذي كان يكتبُ بفرنسيةٍ أجمل من نهر السّين حبيب ولد محفوظ. وسنلقى في هذا المسار الطّويل هارون رشيد لي وعبد الرحمن نكايدة و ممادو لمين كان وأسماء أخرى.

خاتمة
لا يزالُ هذا الأدب مجهولاً ليس فقط للعالم العربي بل في موريتانيا نفسها التي أنتج فيها ولعلّ الملاحظة التي أوردها الدّكتور محمد الأمين ولد مولاي إبراهيم في “السّرد الموريتاني و النّثرية العربية : سياق ظهور الأشكال السّرية” (الموكب الثقافي، 2016، ص70) تُفسر لنا سببَ هذا، حيثُ يذكر أنّ هذه النّصوص “مازالت مجهولة من طرف القارئ نتيجةً لعدم نشرها و عدم توفِر المنشور منها ومن هنا، ظلت معرفة ملامح هذا الأدب و الاطلاع على نصوصه مقصورةً على دوائر ضيقة من المهتمين بهذا الأدب و خصوصيتهِ الأدبية”! .



الرئيسية




Taqadoumy.net