مقالات

كورونا موريتانيا/ أبو العباس ابرهام

336 - 20:40:00 Mar 24, 2020
كورونا موريتانيا/ أبو العباس ابرهام
كورونا موريتانيا/ أبو العباس ابرهام

 

"توجد غريزتهم في كلّ مكان ولا يوجد فِكرهم في أي مكان"
(أندريه سواريز، “هوذا الإنسان”)

 

  إلى حدِّ الآن لم تنفجِر أزمة صحيّة في موريتانيا جرّاء تفلّت مصيبة كورونا. هذه معجِزة. وليس علينا الآن إلاّ الابتهال لمثابرتها. فعلى مدى الأيام الماضيّة ارتكَب مسيِّرو الشأن العام من الأخطاء ما يضمن تفشِّي الطاعون. لم تُقرِّر الحكومة إغلاق البلد أمام السفريات الكالِحة للمرَض والمساسيات الحدوديّة إلاّ في مرحلة متأخِّرة جدّاً؛ وغالباً ما كان ذلك بمبادرات الدُوّل المُجاورة، التي لديها حكومات أكثر احترافاً (كم هو سهلٌ هذا!). أمّا المحاجِر الصحيّة فقد أقيمت بدون مهنيّة تُذكَر. فعلاوة أنّها لم تكن محاجِر مكانية تقيم الحجر في مكان الاشتباه، بل إنّها محاجِر حشدية تسوق المشتبهين إلى العاصِمة، مخاطِرة بتفشي المرض في عمليات الانتقال، فإنّها أيضاً بدت جحيماً يفرّ منه المحجورون والمعزولون أو يُحاوِلون تفاديه. وحتّى مع إقامة هذه الإجراءات العالمية ظلّ المبدأ الموريتاني في تطبيع الاستثناءات وتحويلِها إلى امتيازات للمتفِّذين سائداً. العشرات ابتاعوا حرية التجوّل والنجاة من الحجز بيُسر. وهنالك اعتقادٌ أنّ المرض مصّاص دماء يخرُج فقط في الليل. إذْ ما زالت الأسواق وأمكنة الاحتشاد، بما فيها الولائم والأعراس مفتوحة طول النهار (تُواصل هذه العادة الليلة العجيبة مع المساجِد أيضاً، كما جرى مؤخّراً في مسجد شنقيطي).

الجيش فشِل عملياً في إغلاق الحدود، وهو أبسَط مهام الجيوش في أي مكان. ويتمّ تداول نكتة سِريّة تقول بأنّ الجيش لا يعرِف الجغرافيا. فعدّة معابر حدوديّة ظلت مفتوحة يتسرّبُ منها الداخِلون بدون أيّة إجراءات صحيّة. وما فشل فيه الجيش في الحدود فشِلت فيه قوات الشرطة في حظر التجوّل. الغريب أنّ موريتانيا تمتلِك تاريخاً جيِّداً في ممارسات حظر التجوال، التي طُبِّعت منذ أحداث الثمانينات الرهيبة؛ وثابرت على ذلك في التسعينيات. وفي 2003 قيم بحظر تجوال مهني بالتعاون بين الجيش والشرطة وأمكن من خلاله القبضة على الخلايا المتسّربة لـ"فرسان التغيير" (ولكن ليس قبل نجاح الخلية في الهروب من نواكشوط إلى روصو، وليس بدون التضييق على الحياة العمومية والمدائن الليلية). هل يتعلّق حظر 2020 بحالة نِسيانٍ مهني أم بفشَل أمام متطلّبات حظر من نوعٍ آخَر. ربّما يتعلّق الأمر باستبطان الجمهور لتواريخ التحايُل على الحظر: من خلال القدرة على معاملة، وغالباً ما رشوة، الشرطة وشراء الاستثناء وحرية الحركة، إما بالوساطات العُلوية أو التفاهمات اللحظة مع فِرق الحظر ومنع التجوال. 
-2- 
مسألة: لماذا تتدفَقُ هذه الجموع إلى موريتانيا؟ هذه قصة غريبة وغير مدروسة. ولكن الأرجح أنّ أبناء الجاليات قرّروا العودة للبلد الأمّ أو الأصلي إحساساً بالخطر. أوّلاً، هذه الغريزة الموريتانية بالنجاة إلى الأصل هي خُلاصة القبائلية الموريتانية. ثانياً، إنّها استراتيجية ليس فقط في الحياة، بل في الموت. وقد كُمكِمت عبر التاريخ في أنّ "الموت في العشرة نزاهة"، أنّ التغلّب عن الموت يتمّ بتعصيبِه، بإلحاقِه بالمجموع؛ ذلك أنّ الموت بين الأهلي ليس موتاً؛ وإنّما هو نُزهة. ثالثاً، هي أحياناً استراتيجيّة أقلّ غريزيّة، وهي محاولة النجاة إلى البوادي الموريتانيّة. فهذه البوادي معزولة عن العولمة؛ والوباء إنّما هو لعنة عولميّة. هذه العودة تعكس حدَساً موريتانياً تقليدياً قد سمّته يوماً إحدى الباحثات الغربياتً بذاكِرتِهم البيئية، التي يفرّون من خلالِها إلى الأصقاع البدوية، التي يرمنِسونها ويرَوْن فيها أصلاً للحياة والتجدّد. رابعاً، يبدو أنّ الحكومة كانت ليبراليّة في استقدام الجاليات في البُلدان الموبوءة أو المُهدّدة.  
 لكن غرائز هؤلاء العائدين في البقاء لم تكن بنفس الحجم في المسؤولية، فقد أراد الكثيرون منهم تفادي إجراءات العزل الصحِّي. وقد انتهَجوا في النجاة من مخيّمات الحظر عدّة أساليب تتراوح بين الوساطة والمراوغة. فبالعودة الجوية من المناطِق الموبوءة إلى السنغال أمكنهم بسهولة التسرّب من المنافِذ البريّة الموريتانيّة ناكرين مقدَمهم من أوروبا وآسيا. ونظراً لأنّ فترة التربّص في هذا الدّاء طويلة فإنّ هؤلاء سرعان ما قرّروا أنّه لا مصيبة بهم وبدأوا في التخالُط بيُسرٍ مع المجتمَع. هذا الدّاء هو في الحقيقة امتحانٌ في المسؤولية. فمعظم الشباب الأصِّحاء سينجون منه بدون ضرَر يُذكَر؛ ولكنّهمْ سينقلونه بسرعة إلى الشيوخ والأضعَف. هذا الدّاء هو، فوق كلِّ شيء، مسؤوليتنا تجاه الغير. لم يكن الإذعان للإجراءات الصحيّة أكثَر أخلاقيّة مما هو عليه في هذه الجائحة. 
-3- 
هذا الإحساس بالمسؤوليّة لا يبدو عاماً. لا يبدو المجتمَع قلِقاً. فالحالة العامة هي الاستهتار وتلك الخِفة التي لا تُحتمَل من جموع المثقّفين وأصحاب الرأي العمومي، الذي يتمسخر ويتفكّه بدل أنْ يُفكِّر في معضِلتِه بعقلانيّة ومسؤولية. المسؤولون الحكوميون لا يُؤدّون دوراً عمومياً في المسؤوليّة. وهذه أزمة في القيادة الموريتانية. فحتّى في اللحظات التي وُجِّه فيها رئيس الجمهورية خِطاباً للأمّة جرى ذلك بمنتهى الخِفّة وعدم القدرة على اصطِناع الخطر أو مخاطبة الأمة جمعاء (تَكلّم الرئيس بحسّانيّة مجالسيّة أقرَب للغة المؤتمَرات الصحفية ولم يَلقِ في الواقِع خطاباً للأمة). البيروقراطيّة ضعيفة ومشتّتة الذهن؛ والسياسيون أنسَتهُم سنوات الاستقطاب كيفيّة العمل في روح الفريق. الفُقهاء هم أساتِذة الخِفّة؛ فهم إما يُقيمون ثنائية فاصِلة بين الحياة والدِّين، فيُخِّرون المواطِن بين ما هو أوسَع من ذلك؛ أو أنّهم يتنافسون على سلطة الرأي ويتراشقون بالتعويذات والعنعنات. أمّا المثقّفون العموميون فقد تخلّوا منذ فترة عن حقّ القول واستبدلوه بالتدوين والتفكّه والتيْه. أمام هذه الحالة من عدم مسؤولية النخب وُجِد جمهور كلبي واستهزائي وغير جِدّي. 
-4- 
إنْ افتكّ هذا الدّاء فإنّه لا قِبَل لموريتانيا به. أولاً ما يوجدُ من المُعدّات الصحية هو دون الحاجة الطبيعيّة للمجتمَع. فكيف به وهو في حالة وباء؟! الحوامِل ما زلن يتراصفن على قوائم الانتظار من أجلٍ إجراءات الفحوص الضروريّة؛ وضحايا الحوادِث ما زالوا ينتظِرون استعارة أو استقدام الأجهِزة الطبيّة، ناهيك عن تلكُؤ الطاقِم الطِّبي واحتقار النظام الصحِّي للفقراء. في الحالة العادية نحن في حالة طوارئ صحيّة. إن حدَث وباء فإنّ المئات سيُراكمون على قوائم الانتظار وعلى أرضيات المصحّات وفي العراء. وفي الهرج والمرج بين هذا وذاك سيزداد لفح الداء في الوجوه. الطاقِم الطبّي ضئيل جِداً؛ لا يفي بالغرض اليومي (حتى مع تقلّد المُمرِّضين والمنتحِلين- كما يفعلون ذلك أحياناً- لصِفة الأطباء). وحتّى ولو استُقدِم أطباء من كوبا فإنّهم سيقِفون عاجزين أمام عجز الأجهِزة وضيق حال المؤسّسات الصحية. استقدام معدّات جديدة بصفقة تراضي (القانونية في هذه الحالة، وليس في حالات الفساد في العشرية الماضيّة) سيكون كذلك فرصة للفساد والمحاباة وصراعات الشركات على الحُظوة. بعبارة أخرى لا توجد بُنية عقلانيّة لتمرير أبسَط الأشياء بدون شُبهة. 
إلى حدِّ الآن دفعنا ثمناً باهِظاً. هذه من أكبر التحدِّيات العامّة منذ حرب الصحراء. فالتعليم في جميع مستوياتِه يتجِه إلى أنْ يكون سنة بيضاء، حُلم أجيال الكسلى عبر التاريخ وحجر فلاسِفتِهم الذي لم يتحقّق قبل الآن. الآن أصبحَت العرّافات والمنجِّمون يرونَه ببساطة في الأفق. وإذا ابيضَت السنة فمعناه تقسيم نسبة النجاح، التي تصل الآن إلى 10% إلى نصفِها في السنة القادِمة، هذا علاوة على الازدحام الدراسي. ستُضرَب الكارِثة في ضعفها. أيضاً يبدو أنّ مئات الأسر الفقيرة المعتمِدة على البيوع في الشارِع ضُرِبت في مقتل لأن نشاطَها الكفافي يعتمِد على حركة الاستهلاك في المساء في هذه المُدن الليليّة. ونظراً لغياب ادخار لديها فإنّها صارت على حافة الجوع. لا يبدو أنّه يوجد نظام رسمي لإنقاذ هؤلاء. أيضاً اعتماد الدولة على غذائها من المستورَد زادَ من الغلاء بزيادة أسعار الخدمات التجاريّة ناهيك عن المضاربات في الأسعار، غير القانونية، ولكن الفالِتة من العِقاب.  
-5- 
لئن نجّانا الله من هذه لنكونَنّ من الشاكِرين. ولكن أوّل الشكر هو إقامة بنية عقلانيّة تسمح لنا باجتياز هذه الامتحانات. لا بدّ من بناء خطط بديلة تجعل البلد قادِراً على المثابرة في ظلّ حالات الطوارئ. لا بدّ من نظام تعليم مواكِب وبديل يسمح باستدخال التعليم عن بُعد ومنع كارثة السنة البيضاء. عندما كُنتُ طالباً في جامِعة نواكشوط كان فيها مشروع "الجامِعة الافتراضية" لاستدخال الانترنت في الدورة التعليمية. الآن وبعد كلّ هذه السنوات مازال الأمر في نقطتِه الابتدائية. لو مُؤسِس ذلك النظام لكنا الآن، مثل معظَم العالم، غير مهدّدين بسنة بيضاء. فِكرة التعليم بالتلفزيون سخيفة، وغير قابلة للاستدخال في بنية مدرسيّة يمكن المحاسبة تعليمياً عليها.  لا يوجد عمر مهني، بل توجد أعمارٌ مزاجِية للبرامِج الحكوميّة. وهي تُموّل لكي تُعطّل في منتصفِها. أيضاً، لا بدّ من برنامِج ضمانٍ اجتماعي بديل يسمحُ بإنقاذ آلاف الأسَر الفقيرة، التي هي أوّل ما يتضرّر من غلق المنافِذ والحياة العامة. ما يوجد الآن من الخبرة الحكومية في هذه المسألة هو البرامِج الاستعجالية منذ الألفية والإسعافات منذ السبعينات والثمانينيات. هذه هي غالباً خُطط ارتجاليّة وضئيلة القيمة، وغير مصمّمة على الأوبئة. لا بدّ من تثويرِها. أيضاً، لا بدّ من توسيع الشبكات الصِحية لتستطيع التواكُب مع الطلَب. لابدّ من نظامٍ تواصُلي ينشُر المسؤولية بدل الخِفّة والاستهتار.  إذاً، هذا الدّاء هو فرصة لنعيد إطلاق منظومتِنا وتحصينِها، خصوصاً أنّ السياسة ستموت مؤقّتاً أمام الخوف. ولكن ذلك رهن بأن ننجو بدون خسارة كبيرة. نحن الآن في حربٍ؛ و"الحرب إلهية"، كما دوّن ذاتَ مرّةٍ الضابِط الفرنسي في موريتانيا الاستعمارية، أرنست بسيشاري. الحرب ربّانيّة ويجب أنْ نخوضَها بدون استثناءات. فمن الاستثناءات تلِج السموم. الحرب إلهية، ومن ذلك أنْ نخوضَها بوصفِها حرباً أوَلاً. 
 
   
 



الرئيسية




Taqadoumy.net